النويري
145
نهاية الأرب في فنون الأدب
كأنه لمّا وقف على الديار عرته روعة ذهل بها عن رؤية ما حصل لها من التغيّر فقال : « لم يعفها القدم » ثم تاب إليه عقله وتحقّق ما هي عليه من الدروس ، فقال : بلى عفت وغيّرها الأرواح والدّيم ؛ ومنه بيت الحماسة : أليس « 1 » قليلا نظرة إن نظرتها إليك وكلَّا ليس منك قليل . وأما التغاير - فهو أن يغاير المتكلَّم الناس فيما عادتهم أن يمدحوه فيذمّه أو يذمّوه فيمدحه ؛ فمن ذلك قول أبى تمّام يغاير جميع الناس في تفضيل التكرّم على الكرم : قد بلونا أبا سعيد حديثا وبلونا أبا سعيد قديما فوردناه سائحا وقليبا ورعيناه بارضا وجميعا « 2 » فعلمنا أن ليس إلا بشقّ النفس صار الكريم [ يدعى « 3 » ] كريما وهو مغاير لقوله على العادة المألوفة : لا يتعب النائل المبذول همّته وكيف يتعب عين الناظر النظر ومنه قول ابن الرومىّ في تفضيل القلم على السيف : إن يخدم القلم السيف الذي خضعت له الرقاب ودانت خوفه الأمم فالموت والموت لا شئ يعادله ما زال يتبع ما يجرى به القلم
--> « 1 » البيت ليزيد بن الطثرية . « 2 » البارض : أوّل ما يظهر من نبات الأرض ، والجميم : النبات الكثير ، أو هو ما نهض وانتشر منه . وفى الأصل : « سنيما » وفى حسن التوسل : « هشيما » ، وهو تحريف في كليهما ، والتصويب عن ديوان أبى تمام ص 360 ط الأدبية . « 3 » هذه الكلمة ساقطة من الأصل . وقد نقلناها عن ديوان أبى تمام إذ بها يستقيم البيت .